ابن عجيبة
516
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فقد فتح اللّه له الباب في وصوله إليه ، وكل من نكبه عنهم ، ولم يصحبهم ، كما ذكر ، فقد سد الباب في وجهه عن معرفته العيانية . وفي الحكم : « سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » « 1 » . وما يمسك من ذلك فلا مرسل له من بعده ، ولو صلى وصام ألف عام . قال القشيري : ما يلوح لقلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره ، ولا ضباب يقهره . ويقال : ما يلزم قلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا ممسك له ، والذي يمنع من أعدائه - بسبب ما يلقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها - فلا ميسّر له من دونه . ه . وباللّه التوفيق . ثم ذكّرهم بالنعم ؛ لأن تذكر النعم سبب الفتح ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 3 إلى 4 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 3 ) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 4 ) قلت : « غير اللّه » : من رفعه فنعت للمحل ، أي : هل خالق غير اللّه ، ومن جره : فنعت للفظ . و « يرزقكم » : إما استئناف ، أو : صفة ثانية لخالق ، و « لا إله إلا هو » : مستأنفة ، لا محل لها . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ باللسان والقلب ، وهي التي تقدمت ، من بسط الأرض كالمهاد ، ورفع السماء بلا عماد ، وإرسال الرسل للهداية والإرشاد ، والزيادة في الخلق ، وفتح أبواب الرزق . ثم نبّه على أصل النعم ، وهو توحيد المنعّم ، فقال : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات ، بل لا خالق يرزق غيره ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . فمن أىّ وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك . ثم سلّى نبيه عن صدف قومه عن شكر المنعم بقوله : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ، فلك فيهم أسوة ، فاصبر كما صبروا . وتنكير « رسل » للتعظيم ، المقتضى لزيادة التسلية ، والحث على المصابرة ، أي : فقد
--> ( 1 ) انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي ( ص / 13 ، حكمة / 156 ) .